الشنقيطي

271

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقد أبطل اللّه تعالى دعواهم هذه في آيات كثيرة من كتابه كقوله تعالى في هذه السورة الكريمة : وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً ( 74 ) والمعنى : أهلكنا قرونا كثيرة ، أي أمما كانت قبلهم وهم أكثر نصيبا في الدّنيا منهم ، فما معهم ما كان عندهم من زينة الدّنيا ومتاعها من إهلاك اللّه إيّاهم لمّا عصوا وكذّبوا رسله ، فلو كان الحظّ والنّصيب في الدّنيا يدلّ على رضا اللّه والمكانة عنده لما أهلك الّذين من قبلكم ، الّذين هم أحسن أثاثا ورئيا منكم . وقوله في هذه الآية الكريمة : وَكَمْ هي الخبريّة ، ومعناها الإخبار بعدد كثير ، وهي في حمل نصب على المفعول به لأهلكنا ، أي أهلكنا كثيرا . مِنْ مبينة ل كَمْ وكلّ أهل عصر قرن لمن بعدهم لأنّهم يتقدّمونهم . قيل : سموّا قرنا لاقترانهم في الوجود . والأثاث : متاع البيت . وقيل هو الجديد من الفرش . وغير الجديد منها يسمّى « الخرثيّ » بضمّ الخاء وسكون الرّاء والثّاء المثلّثة بعدها ياء مشددة . وأنشد لهذا التّفصيل الحسن بن عليّ الطّوسي قول الشاعر : تقادم العهد من أمّ الوليد بنا * دهرا وصار أثاث البيت خرثيّا والإطلاق المشهور في العربيّة هو إطلاق الأثاث على متاع البيت مطلقا . قال الفرّاء : لا واحد له . ويطلق الأثاث على المال أجمع : الإبل ، والغنم ، والعبيد ، والمتاع . والواحد أثاثة . وتأثّث فلان : إذا أصاب رياشا ، قاله الجوهريّ عن أبي زيد . وقوله ورئيا على قراءة الجمهور مهموزا ، أي أحسن منظرا وهيئة ، وهو فعل بمعنى مفعول من رأى البصريّة . والمراد به الّذي تراه العين من هيأتهم الحسنة ومتاعهم الحسن . وأنشد أبو عبيدة لمحمد بن نمير الثّقفي في هذا المعنى قوله : أشافتك الظّغائن يوم بانوا * بذي الرّئي الجميل من الأثاث وعلى قراءة قالون وابن ذكوان بتشديد الياء من غير همز . فقال بعض العلماء : معناه معنى القراءة الأولى ، إلّا أنّ الهمزة أبدلت ياء فأدغمت في الياء . وقال بعضهم : لا همز على قراءتهما أصلا بل عليها فهو من الريّ الّذي هو النّعمة والترفّه ، من قولهم : هو ريّان من النّعيم ، وهي ريّا منه . وعلى هذا فالمعنى أحسن نعمة وترفّها . والأوّل أظهر عندي . واللّه تعالى أعلم . والآيات الّتي أبطل اللّه بها دعواهم هذه كثيرة ؛ كقوله تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 178 ) [ آل عمران : 178 ] ، وقوله : وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ ( 37 ) [ سبأ : 37 ] ؛ وقوله : فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 44 ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 45 ) [ القلم : 44 - 45 ] ، وقوله